نفاق التغيير

دائما ما أعتقدت أن مشكلتنا الكبرى لا تكمن في عدم وجود “الرجل” المناسب في “المكان” المناسب، فقط، لكن المشكلة الأكبر هي وجود صحافة منافقة، لا تسعى أبدا لخلق مثل هذا الجو، الذي يسمح بوجود بيئة صحية و صحيحة تستطيع خدمة الوطن و المواطن. الصحافة هنا لم تسع يوما للإرتقاء إلي مصاف الصحافة الحقيقية الباحثة عن الخبر، و الناقدة للقصور في أداء مؤسسات الدولة و الأفراد. مشكلتنا أن أغلب صحفنا هي أشبه بالصحافة الصفراء منها إلى الصحافة الجادة، أو هي أقرب لصحف الإعلانات في أحيان، أو خليط بين الإثنين في أحيان أخرى.
لا يعني هذا إطلاقا أن كل من يعمل في الصحافة هم منافقون، ليسوا نزيهين، و لا يسعون لكشف الحقيقة للقارئ، لكني أتحدث عن أصحاب النفوذ في مؤسساتنا الصحفية.

لا أعتقد أن أي مواطن مهتم بحقوقه المدنية لم يريحه تقرير “الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان” الصادر مؤخرا، و الذي ناقش مواضيع لم نعتقد صراحة بأنه سيتمكن من مناقشتها يوما، من فعالية مجلس الشورى، مرورا بقضايا المرأة و انتهاء بانتقاده لأداء وزارة الداخلية، و إدارة السجون .
لا أقرأ أي صحيفة إجمالا، لكن بعض الصحف تأخذ طريقها للمنزل من حين لآخر، اليوم اطلعت على مقالة للأستاذ جمال خاشقجي في جريدة الوطن، و التي تحدث فيها عن أسباب نشره للتقرير “رغم أن بعض الجهات ستعترض على ما ورد فيه ” أعتقد أن كلام الأستاذ يعرض نموذجا فاضحا للرقابة المنافقة في صحافتنا، فالصحيفة كما وضح رئيس تحريرها كانت مترددة في نشر تقرير يتحدث عن حقوق المواطن التي من المفترض أنه يعتمد عليها في إيصال صوته، ثم لايفوته أن يغمز من قناة معدي التقرير، بالقول أنه من ضمن احتمالات عدة عن سبب “جرأة” هذا التقرير،  سعي من أعده لكسب قاعدة شعبية!!
أولا عندما يتحدث عن قاعدة شعبية فهذا يعني أن المواطن يعاني حقا، و أن ما جاء في التقرير يشغل شريحة عريضة من الناس، ثانيا ليس عيبا أن تكون هيئة حقوق الإنسان شعبية، فمن واجبها أن تمنح نفسها صبغة معينة تمكنها من كسب مصداقية أكثر في الشارع، الأمر الأخير، الهيئة ليست جهة ربحية و لا ناد لكرة القدم مثلا لتصدر تقريرا ذو أبعاد “تسويقية”، يسعى لجذب قاعدة شعبية.
الأمر المسيء حقا عندما يربط هذا النقد “لصاحب القرار”، و كأن مجرد التحدث عن حقوقنا “فضل” و ليس “حق” . و “المطالب الأول بحقوق المواطن” يطالب من؟ يطالب نفسه؟

عندما ناقش التقرير حرية الصحافة، و الصحفيين و المضايقات التي يتعرض لها العاملين في هذا المجال، كان أمرا شجاعا، لكن المشكلة الحقيقية هي أن الهيئة لا يمكن لها أن تخلق صحافة نزيهة، لا تنافق، و تسعى لكسب “شعبية” بين قرائها.



8 تعليقات على “نفاق التغيير”

  1. رد لـ ماسة زيوس

    جميل ياأروى..
    وكثيرا ماأعتقد أن الأقلام الحرة تظلم نفسها حين تتجه للصحافة..!
    كلمتك الأخيرة عن الهيئة بأنها لاتستطيع أن تخلق صحافة نزيهة…ذاك لأن الهيئة تختنق أحيانا..فكيف تخلق صحافة وإعلاما بعيدا عن النفاق…أظنها أحيانا لابد أن تُجاري كل مايحدث كي يصل صوتها ولو كان خافتاً ومرّ بقنوات عدة..أو تسلك منحى شجاع آخر..!
    تحية لكِ

  2. رد لـ فؤاد الفرحان

    مقال رائع يا أروى

  3. رد لـ تقرير جمعية حقوق الإنسان.. خطوة في طريق الإصلاح | s o m e o n e

    [...] أروى الحضيف - نفاق التغيير [...]

  4. رد لـ الخنساء

    الصحافة لدينا تعاني من كثيرمن المشاكل
    اولها الصحافيين غير الاحترافيين وغير المثقفين زائد الرقابة الخانقة
    باطلاعك على الصحف بشكل يومي والمقالات تدرك أن الكثير من الموجود فيها هو عبارة عن تطبيل ولو حدث نقد من وقت للاخر وهو يحدث ويحرج المسئولين ويساهم بحدوث بعض التغيير مثل قضية العنف الأسري التي بدأ الاهتمام بها مؤخرا وهي قضية لا أعتقد بأن الرقابة ستتدخل فيها
    الوضع محتاج وكثير من القضايا مازالت تحتاج لمثل هذه اللفتات ولو صحفنا تريحنا من صراع التيارات شوي وتلتفت لاصلاح الوضع اتوقع راح يكون هناك بعض التأثير والتغيير

    بالمناسبة تقرير حقوق الانسان هو مجرد كلام والاعتبار بالافعال وليس بالاقوال

  5. رد لـ حمد الشايع

    في الصميم اخت اروى
    فعلاً، صحافتنا منافقة لابعد حد.

  6. رد لـ أروى

    فؤاد، حمد ..

    شكرا حقا لوجودكما ..

    ماسة زيوس،
    بالتأكيد أن إيجاد صحافة نزيهة، ليست من مسؤوليات الهيئة، ما عنيته أننا في بعض الأمكان نحتاج إلى تغيير عميق، يتغلل إلى داخل بعض الكيانات التي تحجرت، و افتقدت القدرة لقراءة مجريات هذا العصر.

    الخنساء،

    نعم يظل الكلام كلام، و ما نحتاجه أفعال، لكن بعض الكلام يحتاج منا إلى تشجيع لأنه قيل أساسا، قبل زمن لم يكن أحد ليجرأ على قوله.

  7. رد لـ فوزان الحربي

    اتفق مع جميع ما ذكر في المقال لكن فقط للتوضيح التقرير صادر عن الجمعية الوطنية لحقوق الانسان ( و التي من المفترض أنها أهلية و مستقلة)
    http://nshr.org.sa/newsdetail.aspx?id=85
    و لم يصدر التقرير عن هيئة حقوق الانسان الحكومية
    http://www.haq-ksa.org/intro.asp
    و شكرا

  8. رد لـ صالح !

    اممممممم برد رد خااااارج نطاق الموضوع لأني لا أبدي إهتمام لـ الصحافه والسياسه :( .

    إعلامـنا بشتى مجالاته المرئي والمسموع اصبح جل إهتمامــه :
    المرأهـ ثم المرأهـ ثم المرأهـ ثم الأختلاط , ناهيك عن إصطياد اخطاء رجال الدين من المشائخ والمفكرين الإسلاميين .

    في إعتقادي اننا في الايام القادمـه سنبداء نحن الرجال بالمطالبه بحقوقنا ” إنقلاب للآيه ” .

    هنيـئاً لنا بالإنحلال القــــادم :D .

أضف تعليقك