فلسفة الصورة .. اللحظة إذ تخلد
كتبت هذا قبل أربع سنوات تقريبا، أضعه هنا كاحتفال صغير بعودة المدونة، أشكر سامي الحصين لدوره التقني في عودة المدونة، أشكر أبي لأنه دفع تكاليف النطاق لجديد (حجة صغيرة) لشكره لكل الأشياء التي قام بها من أجلي، و مازال ..

البيعة لبالتوس - فيكتور سكريبنيسكي
دائما ما أتخيل الصورة الفوتوغرافية ، كورقة أخيرة صامدة ، في بيت يتهاوى ، صنع من ورق اللعب ، الصورة .. هذه اللحظة الخالدة ، تتهاوى حولها الأماكن و الأزمنة ، ورقة واحده باقية هي تلك اللحظة .
الفاصل بين نيويورك ببرجين و بدونها.. صورة ، و الفاصل بين صدام حاكماً و محكوماً.. صورة، و الفارق بين ذواتنا نحن صغاراً و كباراً، بين أرواحنا المتغيرة.. صورة .
تقول سوزان سونتاغ في كتابها (التصوير الفوتوغرافي): ” إن تصوير الشيء يعني تملّكه ” ، تملك اللحظة بكل ما فيها من انفعلات و أحداث ، بكل تفاصيلها أيا كانت .
السؤال الكبير : هل لآلة أن تخرق ناموس الطبيعة ، (أن اللحظة التي تذهب لا تعود أبدا ، تنقضي بكل ما فيها) .. ؟ ، ألا يمكننا الآن ، أن نستعيد الكثير من اللحظات عبر الصورة ، و أن نتملكها كما تقول سونتاغ ، أم إن ما نمارسه هو فقط تحايل على الطبيعة للحفاظ على بقايا حياة كانت ؟ ،هل جاءت الكاميرا ، ثورة على آلاف القصص و الأماكن الضائعة ؟ أتت لتغتال الاسطورة .. ؟! ، بعد أن سئم الإنسان من اختلاقها ؟ أم أنه فقد القدرة على التخيل ، فما عادت ذاكرته قادرة على اختزان الأماكن و الوجوه ، ليخلق آلته الصغيرة الساحرة ، و يريح ذاكرته ؟ هل صنعها ليستولي على أكبر قدر من الحياة .. ؟! . ليكن ما يكن ، فالكاميرا الآن سيدة الموقف .
عندما رسم الإنسان الأول على جدران كهفه ، هل كان يرسم أم يصوّر ؟ ، يوثّق أم يمارس فنا ؟ ماذا لو علم أن مئات النقوش تختزلها كبسة زر واحدة ، كبسة تخلد للأبد .. ، و أن تدوين الحياة لا يحتاج لجدار كهف كامل .. أن صورة تصنع تاريخ .. و تغير تاريخ .
اقتنص (جوزيف نييبس) ، أول صورة ، كان قد التقطها من نافذته ، ظهرت الصورة بعد ثماني ساعات من كبسته على الزر . ما الذي حدث في تلك الساعات الثمانية ؟ كم من الأشياء حدثت ؟ أين ذهبت بعد أن بقيت صورة نييبس الأولى ، الشيء الوحيد في ذلك المكان ، الشاهد الوحيد أنه كان هناك إنسان ، و مكان ، و زمان . ماذا حدث في تلك الحجرة الخشبية الصغيرة طيلة ذلك الوقت ؟ لقد اكتشف نييبس النقطة (الأضعف) في جدار الطبيعة ، و كانت آلاته الصغيرة المخبأة في الصندوق تهتك في تلك النقطة الواهنة من ذلك الجدار ، و تصنع فتق صغير لتُجمّد المنظر و تحفظه ، قبل أن يعبث به الوقت و يحيله إلى ماضِ ، و لتسمح بعدها لآلاف اللحظات أن تعبر من خلال الفتق .. فتق نييبس .
يقول الفيلسوف الفرنسي رولان بارت : ” أن الصورة تجربة مصغرة للموت ، تكمن في تحويل ذات حية إلى موضوع ميت في جمود أبدي ” ، هل يعني هذا أن الصورة لا تفلت من الوقت ، بل أنها تموت وهي تحاول اختراق الغلاف ، تماما كشهاب ، لأنه لا يمكن لشيء من هذا الكوكب أن يعبر خارجه دون أن يفقد القدرة على الحياة ، أي أن صورة نييبس لم تمر من خلال أي فتق ، بل ماتت .. ، و أن تلك الصناديق هي مجرد معامل صغيرة للموت . ما الذي يريده بارث ، هل يريد أن يقول أننا لن نخدع الطبيعة أبدا ، و أنه ليس باستطاعتنا حماية أشيائنا من عبث الوقت ، و كل ما نفعله هو تحويل لحظاتنا لمومياءات ، خالية من أي حياة . إذا كانت سونتاغ تقول : (الصورة التي نلتقطها نتملكها) ، و بارث يقول : (الصورة تجربة صغيرة للموت) . كم من المومياءات نملك ؟ كم من المومياءات تعيش بيننا .. ماذا عن صورنا ، هل هي مومياءات لنا .. هل نعيش مع مومياءاتنا ؟ .
في فلم (الآخرون) ، (The Others)للأسباني (أليخاندرو أمينابار) ، تتفرج الأرملة الإنجليزية ، قريس ستيوارت/ (نيكول كيدمان) على ألبوم صور يظهر فيه العديد من الأشخاص ذوي عيون مطموسة في وضعيات مختلفة ، وقوفا وجلوسا ، يرتدون ملابسهم كاملة ، لتخبرها الخادمة أن الناس كانوا يلتقطون صورا لموتاهم !. فما الذي يجعل هولاء الأشخاص يمسكون بتلك اللحظة التي لن ينهار حولها أي شيء ؟ ، الصورة الأخيرة ، للوضعية الأخيرة التي لن تتغير ، هل كانت الصورة حقا هي تحنيط للحظة ، و أن هولاء قد تعاملوا مع الكاميرا كآداة حقيقة للتحنيط ، و حفظ الموتى ؟ .
ماذا لو كانت الكاميرا ، موجودة منذ بداية التاريخ ؟ هل احتاج الإنسان أن يصنع كل هذه الآثار ؟ هل كل تلك الآثار كانت مجرد صورة ؟
منذ الصورة الأولى قبل قرابة المئتا عام ، كم من البيوت الورقية انهارت ؟ و كم من اللحظات توقفت إلى الأبد ؟


CSS
February 27th, 2009 في 12:08 am
عودة حميدة يا أروى , والله فرحت كتير لما شفت هالتدوينة ,,
ألف شكر على عودتك .. وبإنتظار المزيد …
أدهم
February 27th, 2009 في 9:28 pm
يسعدني حقا ً أن تعود هذه المدونة ، لتتواصل المعرفة والثقافة التي نحياها ، ليتسرب الضوء ،، حيث المسافات المعتَّـقة بألوان الطيف ، يبهجني أن أشهد احتفاء النهارات بمواسم المطر دمتم جميعا ً بنقاء وألق ،، لا يلتمع ُ سواه .
February 28th, 2009 في 11:06 am
” أن الصورة تجربة مصغرة للموت ، تكمن في تحويل ذات حية إلى موضوع ميت في جمود أبدي ”
انا ودي اعرف وش يتعاطون علشان يقولون ويفكرون بهالكلام …
انا اشهد اللي ماضربو كبسه وعريكه …
انا دايم اقول ان الجو والأكل له دوره … حنا شموس تفلق الراس وغبار يشق العين وأكل يسد التفكير ..
عذراً طلعت عن الموضوع بس عجبتني فلسفته ..
وعوداً حميداً …. و ياحليل هالرمانه للحين موجوده
March 4th, 2009 في 9:31 pm
السلام عليكم أروى..
يعجبني كثيرا اهتمامك بالثقافة العالمية.. الإرث الإنساني المشترك.. هذا الحقل الذي تعاملنا معه بثنائة مجحفة أفقدتنا الكثير من أهميته وروعته ولمعانه.. فبتنا فريقين.. الصالحون الذين تجاهلوه بتاتا وحرمونا منه وحرّموه علينا كذلك.. والطالحون.. الذين أخذوا أسوءه وعجره وفتاته.. وقاموا ينشرونه بيننا كأنه هو.. ولكن شُبّه لنا..
أحيانا أتسائل هل يمكن للتقدم العلمي والتقني أن يصل للحظة أن نسترجع التاريخ مسموعا ومرئيا ظالما أن هنالك فرضيات ونظريات تخبرنا بان الأصوات التي تنطلق في هذا الكون لا تفنى وإنما تضعف..!
تمنى محمد أحمد الراشد في أحد رسائله الأخيرة أن يرى في الجنة تاريخ العالم منذ الخليقة إلى قيام الساعة على شكل سينما ثلاثية الأبعاد وبكافة تفاصيله.. يراودني شعور أحيانا أن هذا سيتحقق في هذه الدنيا بما سيصل به العلم الذي أوتينا منه قليلا فقط..
أود أحيانا أن أتخلص من كل الصور التي بحوزتي سواءا الرقمية او المطبوعة..أخاف أن تكون عدوتي في المستقبل بعد أن كانت صديقتي في الحاضر..
أعجبني فيلم الآخرون كثيرا..رأيته أكثر من مرة.. الخلاصة.. أننا نظن أنفسنا شيئاً ونحن في الواقع أشياء أخرى.. اللهم لا تجعلنا من الذين (ظل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا).
March 5th, 2009 في 12:26 am
فلسفة الصورة …
مثيرة هذه الفلسفة … حقيقةً لأول مرة أقرأ موضوع يتحدث عنها .
” كل ما نفعلة هو تحويل لحظاتنا إلى مومياء ” جميلة هذه الفلسفة …
ليتني حولت كل لحظاتي السعيدة و كل من أحب إلى مومياءات … حتى أتملك سعادتي إلى الأبد … أليست تقول بأن “التصوير الشيء يعني تملكة “!!؟
تدوينة جميلة … عوداً حميداً
June 29th, 2009 في 5:53 am
تعجبني فلسفتك كثيراً
أستفدت كثيراً من القراءة فشكراً لك
و عوداً حميداً