ما اسم عدوك؟

” إن فيلم قائمة شاندلر لا يتبنى الرؤية الصهيونية للمحرقة، التي تذهب إلى أن المحرقة إن هي إلا تعبير عن عداء الأغيار الأزلي لليهود، و استمرار للمذابح ضد اليهود عبر التاريخ، و هي مذابح لا تفسير لها سوى كره العالم لليهود، مما يعني ضرورة تأسيس دولة يهودية لهم، و تبنى رؤية مغايرة. أن بطل الفيلم الذي ينقذ اليهود ليس يهوديا، و هذا يسقط الثنائية الصهيونية الإختزالية: اليهود ضد الجميع. كما أن الفيلم يبين أن حرق اليهود ليس مجرد هوس نازي، و ليس مجرد عداء أزلي من جانب الأغيار، فهو يتم لأسباب عملية نابعة من رؤية نفعية مادية واضحة (و من هنا التسمية “قائمة شاندلر”، فهذا عالم كل شيء محسوب)”.
الكلام السابق، هو رؤية الدكتور عبد الوهاب المسيري التحليلية لفيلم (قائمة شاندلر) للمخرج الأمريكي ستيفين سيبللبيرج، الفيلم المنتج في عام 1993 و الحائز على جائزة الأوسكار، عرض أولا على المخرج البولندي الأصل رومان بولانيسكي، لكنه رفض تصويره بحجة أن ألآمه لم تندمل بعد حيث أنه ناجٍ من أحد معسكرات الاعتقال. عرض بعدها على المخرج الأمريكي مارتين سكورسيزي، لكنه قدمه للمخرج الأمريكي الآخر ستيفين سيبللبيرج باعتبارها (قصة يهودية) و أهل مكة أدرى بشعابها، أو هنا في حالة الفيلم و القصة فأبناء موسى (كما يطلقون على أنفسهم) أقدرعلى توصيل المعاناة.
أعجبت بعمق الرؤية، فأنا منذ المشاهدة الأولى ضمنته قائمتي لأفضل الأفلام، فلم أشعر ابدا بأي تراجيديا مفتعلة أو هولوكوستية دعائية كما رأيت في فيلم بولانسكي الجيد فنيا و الذي ظهر بعده بعشرة أعوام تقريبا (عازف البيانو). أعود لرؤية المسيري حيث يرى أن النازية أولا ليست إستثناء عن النظرة المادية النفعية للحضارة الغربية، فهي لم تستهدف اليهود كما ورد بسب العداء الذي يكنه الأغيار (غير اليهود) لليهود، بل بسبب اعتقادها بانعدام الفائدة من اليهود في مسيرة ألمانيا نحو الأمام. الأمر الآخر أن النازية لم تكن أبدا شذوذا عن التاريخ الإمبريالي الغربي، الذي يؤمن بعلو الجنس الأبيض، و الحط من الآخرين باعتبارهم غير مفيدين ماديا، و الأدلة كثيرة من الهند مرورا بالجزائر، و انتهاء بإبادة الهنود في أمريكا.
كنت أبحث عن هذه الرؤية التي قرأتها في كتاب (رحلتي الفكرية في البذور و الجذور و الثمر: سيرة غير ذاتية غير موضوعية) و لأني لم أفكر بالكتابة عن هذا الموضوع إلا بعد أن انتهيت من قراءة الكتاب مما جعلني أسأل عن وجود جهاز يمكن وضعه على الكتب ليقوم بعمل محرك البحث، حيث لم أستطع إيجاد هذا المقطع الصغير بين أكثر من 700 صفحة، لكني وجدته بعد إعادة تصفح الكتاب أكثر من عشر مرات.
في بحثي على الشبكة لإيجاد هذه الجزئية ظهر لي في أول النتائج: “هذا الفيلم من إخراج اليهودي ستيفن سيبللبيرج عن الهولوكوست، و الحائز بالطبع على جائزة الأوسكار، نحن نضعه هنا لتعرف عدوك”!!.
فكرة التعرف على العدو مبهرة خصوصا عندما تكون من خلال فيلم يصور حدث تاريخي انتهى، أما الفكرة الأكثر إذهالا هي مرور أكثر من 60 عام على النكبة و نحن لا نعرف عدونا من؟، لا أعلم لصالح من هذا الإلتباس بين الصهيونية و اليهودية، بين دولة إسرائيل القائمة فوق فلسطين المحتلة و بين تاريخ اليهود و اليهود. إن عدم المعرفة هذه تساعد هذا الكيان الصهيوني على البقاء، حيث تجعلنا عاجزين عن مواجهته لأننا لا نعرفه، لا نعرف حدوده، و لا نعرف مكوناته و طموحاته. اليهودية لا تمثل إسرائيل حتى لو قالت إسرائيل إنها دولة يهودية، فأغلب اليهود هم خارج إسرائيل، و آلاف اليهود الأرثذوكس* يرفضون فكرة دولة إسرائيل.
إن إنكار المحارق النازية عمل غير مفهوم أبدا أولا وهي وجهة نظري التي كنت أؤمن بها قبل أن أقرأ لأي كان، لم ننكر شيء لم نتورط فيه؟ لم نضع اليهود في أفران الغاز فلم ننكر هذا التاريخ؟ الغرب الذي يتهمنا بالإرهاب هو الذي مارس هذه الأعمال بحق اليهود في العصر الحديث، و بحق اليهود و المسلمين في العصور الوسطى إبان محاكم التفتيش. السبب الآخر وهو عائد للدكتور المسيري فالهولوكوست هو دليل آخر على إمبريالية الحضارة الغربية.
الكلام أعلاه لا يعادي اليهود كأتباع لديانة سماوية، و لكنه يعادي الفكر الصهيوني، و الكلام أعلاه أيضا لا يعادي الغرب باعتباره (غرب) شرير، بل هو معادة للفكر الإمبريالي الإستعماري الذي رافق هذه الحضارة الغربية.
فرّق بين الأسماء .. لتعرف عدوك …
_______
* أرثذوكس كلمة اليونانية تعني القويم و الأصيل أو المتشدد، و هي هنا ليس لها أي علاقة بالأرثذوكسية المسيحية.
مقالة في إسرائيليات, حياة بـ February 20th, 2008
2 تعليقات »



CSS