ليس للمشاهدة

في أكثر الأحيان تستفزني الأفلام الجيدة، للكتابة عنها و هذا شيء غريب نسبيا علي، فما يستفزني للكتابة عادة الأشياء السيئة.
يبدو أن طبيعتي في نقد الأشياء السلبية ظهرت من جديد بعد مشاهدتي لفيلم مسلوب Taken، الفيلم بالنسبة لي يحمل كل صفات stereotypes movies، فالفرنسي بليد، و الألباني رجل عصابات، و العربي لا يستطيع الخروج بنفسة من زمن الحريم، فهو يتلذذ بالجواري، (بالمناسبة العربي هو الشخص الوحيد الذي لا يرى في المرأة سوى متعته الخالصة، أما رجال العالم كله فيرون في المرأة الجزء الآخر المكمل لهم).
لا أطيق العنف لذا لا أحب أفلام تارنتينو، مع أن صديق لي ما يزال يردد كلما قلت هذه الجملة أنني أحب أفلام سكورسيزي رغم أنها مليئة بالعنف كذلك، بالنسبة لي أفلام سكورسيزي عنيفة، لأنها تنبع من بيئة عنيفة، هي لا تختلق العنف لتمتع المشاهد، هي تنتقد العنف، و تظهره قبيحا، و رغم ذلك أغمض عيني في أكثر مشاهد العنف فيها. ليم نايسين في الفيلم كان يستمتع بالقتل، في لحظات شككت أنا ما يمارسه هو مجرد قتل ذباب لا أكثر, لكن هذا كله مباح، مادم أنه أمريكي بالمقام الأول، و هو يقتل الأشرار و يخلص العالم من المجرمين.

السؤال الذي ظللت أطرحة طوال مشهد الاستجواب الذي دار بين ليم و الرجل الألباني، ما الرسالة التي أفهما هل التعذيب مباح؟ هل التعذيب سيء لكن العنف يقود لمزيد من العنف؟ هل الغاية تبرر الوسيلة؟ أعلم أن المخرج لم يهدف للإجابة عن أية سؤال مما طرحت، فليست كل الأفلام موجودة لتجيب عن أسئلة، و لا كلها خلقت لتطرح أسئلة، لكن أن تصور مشهد تعذيب بشع لحوالي دقيقتين دون هدف يحتاج حقا لوقفة.

في بعض الأحيان عندما أشاهد فيلما مثل هذا الفيلم، أو جملة أكاذيب Body of Lies، أفضل حقا أن تتخلى هوليوود عن الاهتمام بالتفاصيل، فبالنسبة لي سيكون أفضل بكثير أن يتحدث من يلعبون دور العرب في الأفلام بالإنجليزية، على أن يتحدثوا العربية الغريبة تلك، و لتوضيح ما أعني فقد شاهدت فيلم ريدلي سكوت جملة أكاذيب بترجمة، لأني حقا لم أفهم عربية دي كابريو.

بالتأكيد هي ليست مشكلة هوليوود بأن تتم قولبة الآخر، فهذه صناعتها و هي المسؤولة عن كيفية إدارتها، و أنا هنا اتحمل المسؤولية الكاملة عن مشاهدة هذا الفيلم، كما أنني أظن أنه بكتابة هذه القراءة قد أكون أوضحت أفكار كانت تدور في رأسي أثناء المشاهدة، و قد أكون وفرت على أحدهم ممن يفكرون بمشاهدته بعض الوقت، لفعل شيء آخر مفيد.


مقالة في حياة, سينما, فن بـ July 17th, 2009
14 تعليقات »

٢١ غرام

الموسيقى تأليف: غوستافو سانتاولايا

كم حياة نعيش ؟
كم مرة نموت ؟
يقال أننا نخسر 21 غرام لحظة موتنا، ما الذي يزنه 21 غرام ؟
كم الأشياء التي نفقدها ؟
متى نفقد 21 غرام ؟
ما الذي يذهب معها ؟
ما الذي تعطينا إياه ؟
و كم تعطينا ؟
21 غرام وزن حفنة من نقود تساوي 5 سنتات، وزن طائر الطنان .. لوح شوكليت .
كم تساوي 21 غرام ؟

يقول أليخاندرو قونزاليس إناريتو مخرج (21 غرام )، لا أحب الأفلام التي تسعى لإيصال رسالة ما، أحب أن يكون الفلم، ملغما بالرسائل . و أنا أقول و بالأسئلة التي لا يمكنك السيطرة على أجوبتها .

نفقد 21 غرام عند موتنا .. إلى إي عالم ستنتمي تلك الغرامات المفقوده ؟ قد تكون أرواحنا المتجه نحو السماء، و ربما وزن ذكرانا التي تبقى للآخرين بعد الموت . ماذا لو كانت مناصفة 10.5 غراما وزن الروح التي لم نشعر بها قط، و 10.5غراما ذكرانا .. الأشياء الجميلة و السيئة، روائحنا، و حتى أشكالنا، كل شيء عنا في 21 غرام، كما لو أنها شريحة صغيرة من السيلكون تحمل صورنا .
نفقد 21 غراما عند موتنا، هل يعني هذا أننا لا نحتاج سوى 21 غرام، لنبقى أحياء ؟ ماذا لو أن شخص ما عرف متى تخرج تلك الغرامات ؟ من أين تخرج ؟ و كيف تخرج ؟ هل سيتمكن من أن يمنعها، ليعيش حياة أطول ؟
لم 21 غراما و ليست 20 أو 22، لماذا تكون هكذا 21 ؟ ، هل لأن الأرقام الفردية تبدو غامضة أحيانا، و مرهقة أحيانا أخرى، و هي أيضا مثيرة للحنق أثناء العمليات الرياضية، و تجعل قراراتنا أكثر تعقيدا عندما نواجهها في حياتنا .
لم نفقد 21 غرام ؟ ألا تكفي الأشياء التي نفتقدها و نحن أحياء، حتى نفقد عند موتنا 21 غرام ؟ هل هي ثقيلة لدرجة أننا لا نستطيع حملها معنا ؟ أم أنها كل ما يستحق للعيش من أجله ؟ أمام تلك الغرامات قد تبدو الحياة بلا معنى، و ربما مربكة، أو حتى عصية أحيانا، لأننا لا نفهم لم 21 غرام فقط ؟ .
هل نلد بتلك الغرامات 21، لذا كان علينا أن نعيدها قبل أن نموت، أم أننا نتبلعها من الهواء، عند صرختنا الأولى اثناء الولادة ؟ و هذا يعني أن الهواء الذي نبتلعه هو من يحدد كيف نفقد الغرامات الـ21 تلك . كم من الأشياء تعنيها 21 غرام هذه ؟ و هل نحن متساوون بحيث أننا جميعا نفقد الغرامات ذاتها، 21 غرام للكل واحد منا، قد لا يبدو عادلا أننا نفقد العدد ذاته من الغرامات، رغم أننا متفاوتون في الربح و الخسارة، و ربما عادلا بدرجة كبيرة، على الأقل أننا متساوون في الموت .. في شكل الموت، و اسمه، و عدد الغرامات التي نخسرها، إذا لماذا تختلف طرق موتنا و قسوته، مادمنا نفقد في النهاية 21 غراما . قد تكون الـ21 غراما تلك، وزن الحرارة التي تغادر أجسامنا عند الموت، في العالم الآخر لا مقاييس هناك سوى الميزان، و نحن عند موتنا نكون قد خطونا أولى خطواتنا في الحياة الآخرى، لذا صارت الحرارة وزنا . ماذا لو كانت الغرامات الـ21 تلك جزء من حياتنا اقتطع، جزء من سعادتنا، بؤسنا، فرحنا، و آلامنا، إنه جزء وحسب، يحمل ملامحنا، ماذا لو أمكننا أن نهبه لشخص ما قبل موتنا، ربما لو كنا نستطيع فعل ذلك، لشكل فارق في حياة كل واحد منا، لأنه سيعطي 21 غرام من حياته لشخص آخر، وهذا يعني أننا سنبقى احياء بشكل ما، احياء بمقدار 21 غرام، و ربما أحياء بما يكفي لنختزل كل رغبات الحياة، في 21 غرام .


مقالة في سينما, فن بـ March 30th, 2009
14 تعليقات »

ماري إنتطوانيت، صوفيا و دادا

بعد فلميها الناجحين كمخرجة (انتحار العذارى) و (ضاع في الترجمة)، انتظر الجميع فيلمها “الكاني” (ماري أنتطوانيت). صوفيا كابولا، إبنة المخرج الهوليودي الكبير (فرانسييس كابولا) مخرج ثلاثية (العراب) و (القيامة الان) ..
يقول الذين حضروا العرض الأول للفيلم في كان، أن الجمهور الفرنسي خرج (مستاء) من الطريقة التي صورت بها (صوفيا) “ملكتهم” .. بالنسبة لي يبدو أن رضى الفرنسيين غاية لا تدرك، في كتابه “شفرة دافنشي” يتحدث (دان براون) بلسان دكتور روبيرت لانغدون، بعد أن سأله رجل الشرطة الفرنسي عن رأيه بالهرم الزجاجي الذي أضافه ميتران للمتحف، و جعله مدخل لكنز الفن هذا:”يروق للفرنسيين أن يسألوا هذا السؤال. فإذا اعترفت بإعجابك بالهرم، فأنت عديم الذوق، و إذا عبرت عن نفورك منه، فإنك قد تكون وجهت إهانة للفرنسيين” ..

لا يمكن لي أن أتحدث عن واقعية أحداث الفيلم، لأن التاريخ يكتبه المنتصر كما نعلم، و لا أستطيع أن أجزم هل حقا رسمت صوفيا الصورة الأقرب للحقيقة .. لا أعرف أزياء عهد لوي السادس عشر، و لا كيف كانت تزين القصور، و لا  أعرف أيضا كيف هو المطبخ الفرنسي آنذاك .. لكن ما أنا متأكدة منه، أن موسقى الروك ان رول لم توجد بعد، و لا الحذاء الذي في أعلى الكلام ..

ربما تكون صوفيا خيبت أمآل من انتظروا فيلما “وثائقيا”، لكني أرى أن هذه التجربة جديرة بإعادة القراءة، فهي محاولة شابة، بنظرة شابة، لقصة عتيقة. رسم الملكة بصورة الفتاة النيوجيرسية “الظريفة” كريستن دونسيت، التي “تسهر خارج البيت” مستمتعة بحفلات الشباب “البوهيمية”، ثم تعود عند شروق الشمس علي قدميها مع رفاقها في الحفلة. لست خبيرة بالبروتكولات الملكية للعائلات الأوربية، لكن كريستن لم تكن حتى قريبة من أي شيء ملكي، فهي تقفز و تضحك، و تتحدث بصوت عال.

مع شكل ملصق الفيلم، الموسيقى، و أداء الممثلين يبدو أن صوفي سعت لتحويل ماري إنطوانيت إلى رمز أقرب لثقافة “البوب” منها إلى ملكة لأحد أهم المملك الأوروبية، و أيضا سليلة المملكة النمساوية، التي لا تقل أهمية عن نظيرتها الفرنسية. الملكة التي تحب “اللهو”، و متع الحياة، كما يمكن لها أن تتصرف ببرغماتية و برشد عندما يقتضي الأمر، و يؤلمها أن تفقد عائلتها، أو أن يظن “شعبها” حتى بعد مئات السنين أنها اقترحت عليهم أكل “الجاتو” بدل الخبز، الذي لا يجدون ..

صوفي صنعت فيلما دادئيا، مستعدا لأن يجعل ماري إنطوانيت متسكعة في حانات باريس بجرأة، في مقاربة للوحة ماغسيل دوشامب للموناليزا بلحية و شاربو المعنونة بـ LHOOQ، لكن بنسخة أنثوية لطيفة، و باسمة.


مقالة في سينما, فن بـ March 16th, 2009
6 تعليقات »

في طلاسم بروج

أضع هذه التدوينة، بعد أن سألت أكثر من مرة عن أين هي كتاباتي السينمائية أولا من نيارت في لقاء المدونات، و من تفاصيل في تدويني السابقة. رغم أني كنت أفكر بعمل مدونة خاصة بالفن كما قلت، إلا أني أعدت التفكير أولا لخشيتي أن لا يتم هذا الموضوع أبدا إعتمادا على “كسلي” و الآخر بسبب “نصيحة” من أخواتي أني لو وضعتها سأتمكنين من جعل المدونة أكثر نشاطا.

لا أعرف الكثير عن الكاثوليكية .. لكن أعرف أن الأسئلة الوجودية تتشابه لدى أي إنسان ..
“في بروج”،  كولين فيريل في أسطع أشكاله، إيرلندي كاثوليكي “فار بخطيئته”، يختبىء في بلدة صغيرة تشبه القصص الخيالية شمالي بلجيكا، مباني قوطية، بجعات تسبح داخل القنوات المائية، و أبراج حجرية، و فوق هذا لا يوجد بها صالة للعب البولينغ !!

جئت، لا أعلم من أين، ولكنّي أتيت
ولقد أبصرت قدّامي طريقا فمشيت
وسأبقى ماشيا إن شئت هذا أم أبيت
كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي؟
لست أدري!

في بروج “راي” ليس إيليا أبي ماضي .. لكنه ينطق بالطلاسم حتى لو كانت بلهجة إيرلندية و تساؤلات ربما تبدو  ساذجة .. فهو بالكاد يتحدث الإنجليزية -كما يقول-  لا يعلم ما الذي قاده لبروج، و لا يعلم أي طريق سيسلك بعدها، كل ما يعلمه أنه تائه .. و أن دبلن حيث نشأ، بعيدة جدا عنه.

الفيلم الذي قام بكتابته و إخراجه الإيرلندي مارتين ماكدونا يبعث أسئلة كثيرة حول الحياة و الموت، الثواب و العقاب، و أيضا الحياة الآخرة، لكنه يفضل أن ينطلق كل هذا على لسان شخص بسيط، ربما لأن أفواه “السذج” هي من يعيد فرض الأسئلة الجوهرية بشكلها “الخام”، في حياة أصبحت معقدة، أو ربما هي محاولة إيجاد الأجوبة من البسطاء الذين يعيشون ذات الحيرة، لكن لا أحد يعنى بأسآلتهم ، قد يكون الفيلم “تخليصا” للحقيقة بعد أن صارت لاهوت على يد فلاسفة، و مفكرين، و رجال دين،.

في المتحف حيث يجد كين الإيرلندي الآخر، و رفيق راي في بروج، كل ما يحب هو فيها، و كل ما يكرهه راي، ففي المتحف نرى بروج المغلفة بغلاف سحري من القرون الوسطى، و هي تحمل إرث هذا العصر و ملامحه، و قصصه المنسية، هناك تحكي اللوحات عن العذاب، و الآثام، عن يوم الحساب، و عن الأعراف ؟! عندما تكون الديانات متشابهة إلى هذا الحد هل تكون الحقيقة مشاعة ؟ و لم يتقاتل الناس  ماداموا يمتلكون الحقيقة ذاتها ؟ هذه تماما نوع الأسئلة التي يثيرها الفيلم. في المتحف تحمل الجدران تاريخ أناس رحلوا، لكنهم خلفوا ذات “الفراغ” الذي حاولوا ملأه. تسير و أمامك أسئلة إيليا “بين المقابر”، و تعي أنه في مرحلة ما لا يختلف “رايموند” عن “كين” فكلاهما لا يدريان.

إن أكن في حالة الإدراك لا أدري مصيري
كيف أدري بعدما أفقد رشدي…
لست أدري!

بروج البلدة المرصوفة بالحجارة، و المبنية منها كذلك، استخدمها المخرج ليصور لوحة من لوحات زمن ولى كان الناس يظنوا فيه أنهم “يدرون”  دونوا كل ما زعموا معرفته، كتبا و رسما. الشخوص هنا كلها فاوست، باعت أرواحها لمفستوفيليس . الضباب يلف المكان، الإضاءة غامضة، و انعكاس القمر على القنوات يمنح إحساسا غريب. بروج هي أولا “المحشر” الذي يجتمع فيه الذين أستضعَفوا و الذين أُستضعِفوا، و هي أرض الحساب، ينال الجميع الجزاء الذي يستحقونه، و ستمر أمامهم كائنات غريبة لم يروها من قبل، تعرف في هذه اللحظة معنى أن لا تكون “محصنا” و تقع في الخطيئة، أن تقابلك الملذات، و أيضا أن تكون تابع لأحد، و أن تعصي آخر. ربما تجد أجوبة لكن سيكون هناك الكثير من الأسئلة التي لا جواب لها.

أنا لا أذكر شيئا من حياتي الماضية
أنا لا أعرف شيئا من حياتي الآتيه
لي ذات غير أني لست لأدري ماهيه
فمتى تعرف ذاتي كنه ذاتي؟
لست أدري!

——-

صفحة الفيلم في IMDB


مقالة في سينما, فن بـ October 8th, 2008
10 تعليقات »